أخبار عاجلة
طرابلس 'أيقونة' الثورة.. 'أنا بتنفس حرية'! -

بشرّي - الضنيّة: الطوائف "ترسّم" حدودها في اللادولة

بشرّي - الضنيّة: الطوائف "ترسّم" حدودها في اللادولة
بشرّي - الضنيّة: الطوائف "ترسّم" حدودها في اللادولة

ليس النزاع العقاري بين قضاءي بشرّي والضنيّة الأوّل في لبنان ولن يكون الأخير، فالأراضي غير الممسوحة كثيرة ومنها ما بات يمسح على أسماء نافذين وأحزاب وفق المناطق التي يُسيطرون عليها بأكثريّة مذهبيّة وسياسيّة، ويتحكّمون بالدوائر والموظّفين.

العمل في البحيرة في أعالي بقاعصفرين توقّف بقرار قضائي بعد شكوى من بلدة بشرّي من الاعتداء على نطاقها الجغرافي (الطائفي – المذهبي) في الوقت الذي كانت النائبة ستريدا جعجع تزور عين التينة لتطلب من الرئيس نبيه برّي التدخّل عبر وزير المال، الوصيّ على الدوائر العقاريّة، والبدء بتحديد الحدود بين المنطقتين منعاً لفتنة طائفيّة تمتدّ على مساحة الوطن.

في المقابل، وبعد مؤتمر صحافي للنائب فيصل كرامي ردّ فيه على جعجع واعتبر ما يجري "حملة شعواء تشنّنها القوّات اللبنانيّة، وأنّنا لن نتنازل عن حقّنا في الحصول على المياه، وكل الوسائل متاحة من أجل الوصول لمبتغانا"، توجّه نحو 100 شاب من مختلف قرى الضنيّة وبلداتها نحو القرنة السوداء، في تحرّك رمزي للتأكيد أنّ القرنة السوداء تتبع للضنيّة، ورفع السائقون على سياراتهم أعلاماً لبنانيّة كُتبن عليها عبارة "القرنة السوداء ضنّاويّة". وعندما بلغوا المكان رفعوا لافتات وشعارات وأدّوا الصلاة وسط إجراءات احترازيّة اتّخذها الجيش اللبناني على الطرق المؤدّية إلى المكان.

وتبدو الدولة عاجزة عن توفير حلّ جذري لمشكلة المسح العقاري، والتحديد والتسجيل، في أكثر من منطقة، ذلك أن الخلاف بين أهالي العاقورة واليمّونة لم يسوَّ إلى اليوم، وإنّما جرت "ضبضبته" بمسعى من مديريّة المخابرات في الجيش اللبناني سعياً إلى إطفاء بذور فتنة مسيحيّة – شيعيّة في العقارات المتنازع عليها. ولا يمكن أن ينسى اللبنانيّون مشكلة عقارات لاسا في منطقة جبيل، حيث عقدت تسوية لا تُشبه التسويات لأنّها قضت أيضاً بتأليف لجان لمتابعة درس الملف، واللجان في كل الملفّات تُشبه المقابر كما كانت تُسمّى لجان مجلس النوّاب في زمن مضى، إذ جرى تفعيل الكثير من اللجان النيابيّة أخيراً.

وقد بلغ التجاذب والتوّتر بين بلديّتي بشرّي وبقاعصفرين (الضنيّة) ذروة في النزاع على إنشاء بركة مياه في منطقة سمارة، في أعالي جرود بقاعصفرين (والنزاع حول القرنة السوداء)، عقب سجال حاد نشب بين الطرفين وتأكيد كل طرف وجود موقع البركة والقرنة السوداء ضمن نطاقه الإداري، وحاولت اللجنة المشتركة لوزارتي الزراعة والبيئة التدخّل لحسم الأمر وإنهاء الجدل الذي اتّخذ طابعاً طائفيّاً خطيراً.

ورافقت الاعتراضات حملات تحريض عبر وسائل التواصل الاجتماعي خرجت عن الأصول، وقفزت فوق علاقات حسن الجوار والأخلاقيّات والأعراف.

وبينما يقول رئيس بلديّة بشرّي فريدي كيروز إن في حوزته وثائق ومستندات تُثبت ملكيّة الأرض وأن موقع سهل سمارة هو جزء لا يتجزّأ من مشاع بلدية بشريّ، يستند أهالي الضنيّة إلى قرار أمين السجل العقاري في الشمال الذي رفعه إلى محافظة الشمال في 12 آب 2014، وجاء فيه أن "موقع القرنة السوداء وجوارها هو ضمن النطاق العقاري لبلدية بقاعصفرين".

ورافقت الانقسام الشعبي انقسام سياسي، فنوّاب المنية – الضنيّة جهاد الصمد وسامي فتفت وعثمان علم الدين قصدوا وزير البيئة للتوسّط، فيما توجّه نائبا "القوّات" ستريدا جعجع وجوزف طوق إلى عين التينة للغاية نفسها.

العاقورة – اليمّونة

على خط آخر، لا تزال قضيّة العاقورة – اليمّونة عالقة، فأهالي اليمّونة يرفضون الاعتراف بالحكم القضائي المُبرم الصادر عام 1936 عن اللجنة التحكيميّة المشاعيّة برئاسة القاضي عبدو أبو خير، ويعتبرون أنّ قرارات عهد الانتداب "ألغيت مفاعيلها عام 1952. وأن ذاك القرار صدر في عصر "الغالب والمغلوب". ويؤكّد أهالي اليمّونة أن هذا القرار لم يُطبّق يوماً، بل أنّ محاولات تطبيقه أدّت إلى أحداث دامية في الأعوام 1938 و1950 و1952 و1954 و1967 ذهب ضحيّتها أكثر من 40 بريئاً بين قتيل وجريح من الطرفين. ويصرّون على اعتماد طريق الوسط، أي قمم الجبال حيث مقلب المياه كحدّ طبيعي، وهو الحدّ الذي اعتمد حتّى العام 1993، وهذا التقسيم يُعطي العاقورة نحو 60 في المئة من المشاعات المتنازع عليها واليمّونة نحو 40 في المئة.

في المقابل، يتمسّك أهالي العاقورة بترسيم حدود يعود إلى زمن الانتداب الفرنسي ويرفضون منطق إلغاء كل ما سبق الاستقلال، إذ أنّ معظم القوانين المرعيّة الإجراء في لبنان تعود إلى الزمن العثماني، أو إلى الزمن الفرنسي، فقانون الجمعيّات والأحزاب عائد إلى الزمن العثماني، والإحصاء الذي تعتمد عليه الدولة في سجلّاتها يعود إلى العام 1932 فلماذا تُلغى مفاعيل مرسوم لم يلغَ بشكل صريح؟

في العام 2012، عمل وزير الداخليّة في حينه مروان شربل على توفير حل ينهي النزاع القائم، واقترح بعد لقاءات عدّة عقدها مع المعنيّين في العاقورة واليمّونة، أن تبادر الدولة اللبنانيّة إلى شراء تلك المساحة الجغرافيّة المُتنازع عليها، وتؤجّرها للبلديّات والأهالي مقابل بدل سنوي للريّ والزراعة، أو أن تضمّنها سنة بعد أخرى مداورة لأهالي العاقورة واليمّونة. واعتبر شربل أن الدولة قادرة على أن تلغي مرسوماً بمرسوم، وأن تُعيد رسم الحدود، أو أن تستملك وهو الحلّ الأفضل. وأعدّ مشروعاً حمله إلى مجلس الوزراء الذي لم يتخذ أي خطوة، بل حفظه في أدراج الأمانة العامة لمجلس الوزراء، ووصل شربل إلى اقتناع مفاده أنّ الدولة غير جديّة في التوصّل إلى حل يُنهي هذا النزاع.

وقد تخوّف آنذاك، وكرّر ذلك، من دخول طابور خامس على الخطّ، يعمد إلى قتل أحد الرعيان، من هذه البلدة أو تلك، فتنشب خلافات وتنشأ عمليّات انتقام تؤدّي إلى فتنة طائفيّة يصير معها الحل مستحيلاً وتُصبح تلك المساحة إمّا أرضاً يستبيحها الأقوى وإمّا أرضاً محظورة بسبب وجود مسلّحين أو ما شابه ذلك. ويحمل شربل الدولة المسؤوليّة، وهو يراهن على سعي رئيس الجمهوريّة ميشال عون إلى توفير حل عادل، إذ لا يجوز لأهالي اليمّونة الاعتداء على أرض ليست لهم، ولا يجوز أيضاً أن تمتدّ أراضي العاقورة إلى المنازل في اليمّونة.

ورفض مسؤول في الدوائر العقاريّة سابقاً، استشير بصفته خبيراً، اقتراح الوزير السابق مروان شربل وفي اعتقاده أنّ الحل غير القانوني سيُصبح عُرفاً يتمّ بعده نقض كل المراسيم العائدة إلى تلك المرحلة، والعمل من دونها يعني الفوضى الكاملة في العقارات وفي الجغرافيا اللبنانيّة، ويُحمّل الدولة مسؤوليّة حل كل النزاعات المماثلة في عدد كبير من القرى والبلدات، بشراء العقارات وتأجيرها، وهو ما لا قُدرة للدولة على تحمّله. ونصح الخبير باللجوء إلى القضاء القادر وحده على بتّ هذه المسائل، وعلى الدولة بعد ذلك أن تنفّذ القرارات القضائيّة العادلة وتفرض التنفيذ بالقوّة لكي تكون دولة حقيقيّة.

ويرى المُتابعون أنّ الذين دخلوا أخيراً على الخطّ، وفق مُتابع مع كل من أهالي البلدتين، لم "يتركوا للصلح مطرح". فالنائب جميل السيّد حاول لعب دور المُصلح لكنّه انحاز إلى أهالي اليمّونة الشيعة، فيما العميد بول مطر الذي أوكل إليه رئيس الجمهوريّة مُتابعة الملف، استند إلى المرسوم الذي يُعطي الحقّ لأهالي العاقورة، ما أدّى إلى انقسام طائفيّ بغطاء رسمي.

لاسا

وملفّا العاقورة – اليمّونة ولاسا أثارهما قبل أشهر النائب زياد حواط الذي تحدّث في مجلس النواب معتبراً أن "اعتراضات أهالي اليمونة يجب أن تبتّ من خلال المسلك القضائي".

وقد دخل ملف لاسا في "الصمت السريري" منذ أيلول 2018 عندما عقد النائب السابق فارس سعيد مؤتمراً صحافيّاً أسف فيه لاستعمال بيان صادر عن نوّاب جبيل التقوا في البطريركية المارونيّة توصيف "أرض مُتنازل عليها في لاسا" والاعلان أن الملف صار في مُتابعة المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى.

وقال إن "وضع المسألة في عهدة جهة هي غير القانون والقضاء، أي غير الدولة، خطأ جسيم، يمكن أن تترتّب عليه عواقب وخيمة يستطيع أي عاقل وحريص على الانتظام العام والعيش المشترك أن يتصوّرها. وتساءل بأسف منذ متى تلجأ الكنيسة المارونيّة للاحتكام إلى غير الدولة والقانون والقضاء؟

وأضاف: "هناك ما يُثير توجّسنا أكثر، إذ علمنا أن الرأي في أروقة أصحاب الحل والعقد إنّما يدور حول اقتراح وهب الأراضي المعتدى عليها للمعتدين وهي تُمثّل حوالى 400 ألف متر مربّع من الأرض بحجّة "الأمر الواقع"، مقابل "تسهيل" استكمال أعمال المساحة والتحديد في لاسا، بحيث تحصل الكنيسة على ما تبقّى من أرضها، غير المعتدى عليها حتّى الآن، وتبلغ حوالى 5 ملايين متر مربّع. أي إذا عرضنا الموضوع ببساطة القروي نقول إنّ هناك "أمراً واقعاً" يُسمّى اعتداءات على أرض الكنيسة، نُعطي 400 ألف متر للمعتدين ونخلّص 5 ملايين متر".

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق إن سألك الوقح: ألك حياة يا ابن الذلّ...؟ ​
التالى عون سيدفع إلى تفعيل عمل الحكومة لإنجاز الموازنة